عبد الملك الجويني
59
الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أول الاعتقاد
فإن قال القائل : لئن استمر لكم ما ذكرتموه في العلم والقدرة ، فما وجه تقريره في الإرادة والكلام ؟ قلنا : الغرض أن نوضح انعقاد الإجماع الواجب الاتباع على نفي كلام ثان قديم ، وذلك مقرر على ما ذكرناه لا خفاء به . فإن قيل : ما الذي صرفكم عن مدارك العقول في هذه الفصول ؟ قلنا : قد ألفينا العلم القديم متعلقا بالمعلومات ، قائما مقام علوم مختلفة شاهدا ، وليس في العقل ما يفضي إلى القطع باستحالة قيام العلم القديم مقام القدرة ، وليس فيه أيضا ما يؤدي إلى وجوب تعلق العلم الواحد بجميع المعلومات ، وكل ما يحاول به إثبات ذلك من قضيات العقول باطل . وهذا المعتقد لا يحتمل استقصاء ما قيل فيه والرد عليه . فصل قد امتنع مثبتو الصفات من تسميتها مغايرة للذات ، وغرضنا من هذا الفصل يستدعي تقديم حقيقة الغيرين . والذي ارتضاه المتأخرون من أئمتنا في حقيقة الغيرين ، أنهما الموجودان اللذان يجوز مفارقة أحدهما الثاني بزمان ، أو مكان ، أو وجود ، أو عدم . وهذا أمثل من قول من قال : الغيران كل شيئين يجوز وجود أحدهما مع عدم الثاني ؛ فإن معتقد قدم الجواهر واستحالة عدمها ، يقطع بتغاير جسمين مع ذهوله عن تجويز عدم أحدهما ، ولا يتحقق العلم بالمحقق دون درك الحقيقة . والقول في إيضاح معنى الغيرين ، ليس من القواطع عندي ؛ إذ لا تدل عليه قضية عقلية ، ولا دلالة قاطعة سمعية ، ولسنا نقطع بإبطال قول من قال من المعتزلة : كل شيئين غيران . والأمر يؤول إلى إطلاق ترجيح وتلويح متلقّى من ألفاظ محتملة . فإن قيل : إذا لم تقطعوا بما ذكره أئمتكم في حقيقة الغيرين ، فهل تقطعون بالمنع من إطلاق الغيرية في صفات الباري تعالى وذاته ؟ قلنا : هذا مما نمنع منه قطعا ، لاتفاق الأمة على منع إطلاقه . وكما لا توصف الصفات بأنها أغيار للذات ، فلا يقال إنها هي . ولا نتحاشى من إطلاق القول بأن الصفات موجودات ، والعلم مع الذات موجودان ، وكذلك القول في جميع الصفات . وامتنع الأئمة من تسمية الصفات مختلفة ، وأطلق الإمام القاضي أبو بكر رضي اللّه عنه « 1 » القول بأنها مختلفة . فصل ذهب العلماء من أئمتنا إلى أن البقاء صفة الباقي زائدة على وجوده بمثابة العلم في حق العالم .
--> ( 1 ) الإمام الأشعري القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني ، توفي عام 403 ه . راجع المقدمة .